07.30.2013
زى أى شاب مصرى أصيل، بيحترم الوقت وبيستغله بشكل مفيد، كنت قاعد مع أصدقاء الطفولة قدام الكشك
بنشرب حاجة ساقعة وبنحكى حواديت. فجأة سمعنا صوت طوب بيتكسر وأعلى صرخة
سمعتها فى حياتى. جارتنا اللى ساكنة فى أول دور بتصوت وبتقول: «حراااااامى».
ثوان معدودة من الجرى وتمت محاصرة الضحية الغشيمة اللى قرر يسرق بعد المغرب وفى عز الزحمة.
لقيناه بيحاول ينط سور الجراج العالى وهو قصير. وطبعا الناس كأنها لقت لقية وفين يوجعك،
بالعافية أنقذنا الحرامى الغشيم من إيدين السايس فى الجراج.
كل ده حصل وسط زعيق واستنكار من جارنا دكتور الأسنان اللى كان مصمم
إن محدش يمد إيده على الحرامى. حتى بعد ما جت دورية البوليس، الظابط مسألش مين اللى
خرشم الحرامى كده ، فضل جارنا يزعق فى الناس ويقولهم: «من غير ضرب.
متنزلوش لمستوى المجرمين. سيبوووووه». سايس الجراج بص له وقاله بكل سخرية
«جرى إيه يا دكتور؟ لو شقتك اللى اتسرقت كان زمانك بتضربه معانا. مش كده؟ إيه الحنية اللى نزلت عليك
مرة واحدة دى؟!» ساعتها جارنا دكتور الأسنان سابنا ومشى. والبوليس خد الحرامى ومشى.
اللى دكتور الأسنان عمله مش حنية. دى مثالية.
دكتور الأسنان زى أى حد مثالى، الناس بتهاجمه لأنهم معتقدين إن المثالية مبدأ أخلاقى انهزامى.
من وجهة نظر الأغلبية: المثالية هى أسلوب حياة يؤدى إلى راحة الضمير لمواطن طيب وغلبان
لكنه ملطشة وحقه ضايع. وده غلط كبير. غلط يدفع الكثير من الناس إلى مهاجمة المثاليين
والتنكيل بهم واتهامهم بالتفريط فى حقوقهم وحقوق البلد.
معظمنا ميعرفش إن المثالية هى مبدأ يستخدم فى السياسة داخل المجتمعات وبين الدول.
مبدأ يقوم على أساس إن حفاظ كل طرف على حقوق الآخر يقلل من احتمالات حدوث
نزاعات ومصادمات. فى سنة 1795 كتب الفيلسوف الألمانى «إيمانويل كانت» مقالا شهيرا
فى مجال العلاقات الخارجية تحت عنوان «السلام الدائم»، قال فيه إن مطالبتك بكافة حقوق
غريمك السياسى يضمن لك المعاملة بالمثل، ويرسى فى المجتمع ثوابت وضمانات إنسانية راقية للجميع.
وده يسرى على الدول أيضاً. مش «كانت» بس اللى كتب عن أهمية المثالية فى السياسة
كمبدأ يؤدى إلى منفعة عامة وبناء الثقة. هيجل وشوبنهاور وغيرهم كتير من الفلاسفة.
هتقول لى بس دول ناس بتتكلم فى أوروبا. ناس مستحمية وقاعدة بتنظر تحت جبال الألب.
الحقيقة صح. هما حطوا النظريات لكن أحسن شخصين طبقوها كانوا فى دول عالم ثالث.
غاندى فى الهند لما رفض يرد على عنف الإنجليز بعنف. ومانديلا فى جنوب أفريقيا لما طبق
سياسة المصالحة الوطنية. الاتنين قدروا يحرروا بلدهم من الاحتلال والعنصرية وغرسوا عند الناس
مبدأ الاحتكام للقانون. علموا الناس فكرة إن لو عاملنا المسىء
إلينا بمبدأ العين بالعين سيصبح كل المجتمع أعمى.
لكن المثالية مش معناها الفوضى. مش معناها إن واحد يغلط على طول والتانى يسامحه على طول.
هى حكم القانون العادل. المخطئ ممكن العفو عنه فى غير دم أو فساد.
أما معتاد الإجرام والخطأ، لازم حسابه.
أنا مش بطالبك تكون مثالى. الظروف اللى احنا فيها دى محتاجة غاندى ذات نفسه،
علشان يقدر يتعامل بحكمة وصبر. أنا شخصيا مش مثالى. لكن بحترمهم.
لأن صوت المثاليين هو صوت الصح فى وقت الكل بيجرى فيه على الغلط.
ودايما المجتمع محتاج لناس لم تتلوث أياديها يقودوا الناس لما يحبوا يتوبوا عن الغلط.